الخميس، 16 أبريل، 2015

ما هي التي تأكـل ولا تـشــبع ؟

ما هي التي تأكـل ولا تـشــبع ؟ 

الجواب

النار
-------------------------

"إلقاء إبراهيم عليه السلام في النار"

الحمد لله رب العالَمين، والصلاة والسلام على الرسل والنبيين، لا سيما خاتمهم محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:
قال سبحانه: ﴿ قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ * قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ * وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ ﴾ [الأنبياء: 68 - 70][1].

ذكرنا في حلقة سابقة، أن إبراهيم عليه السلام عندما دعا قومه إلى عبادة الله وحده، وترك عبادة الأصنام، وأخذ يحاجُّهم في كل طريق، وبكل وسيلة، حتى انتهى به الأمر إلى أن حطَّم تلك الأصنام، حتى يبيِّن لقومه سوء صنيعهم في عبادة آلهة لا تضر ولا تنفع، فلما تبين القوم سوء فعلهم، وقلة حيلتهم في دفع حجج إبراهيم المتهادرة عنهم؛ إذ "قد دحضت حجتهم، وبان عجزهم، وظهر الحق، واندفع الباطل، عدلوا عندئذ إلى استعمال جاهِ مُلكهم، فقالوا: ﴿ حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ ﴾ [الأنبياء: 68]، فجمعوا حطبًا كثيرًا جدًّا - قال السدي: حتى إن كانت المرأة تمرض، فتنذر إن عوفِيَتْ أن تحمل حطبًا لحريق إبراهيم - ثم جعلوه في جَوْبة من الأرض، وأضرموها نارًا، فكان لها شرر عظيم ولهب مرتفع، لم توقَدْ قط نارٌ مثلها، وجعلوا إبراهيم عليه السلام في كفة المنجنيق، بإشارة رجل من أعراب فارس من الأكراد - قال شُعَيب الجبائي: اسمه هيزن - فخسَف الله به الأرض، فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة، فلما ألقَوه قال: "حسبي الله ونعم الوكيل"؛ كما رواه البخاري عن ابن عباس أنه قال: "حسبي الله ونعم الوكيل" قالها إبراهيم حين ألقي في النار، وقالها محمد[2] حين قالوا: ﴿ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ﴾ [آل عمران: 173]"[3].

وذكر بعض السلف أنه عرض له جبريل وهو في الهواء، فقال: ألك حاجة؟ فقال: أمَّا إليك فلا، وأما من الله فبلى.
قال الله - عز وجل -: ﴿ يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ ﴾ [الأنبياء: 69]، قال: لم يبقَ نار في الأرض إلا طفئت[4]، وقال كعب الأحبار: لم ينتفع أحدٌ يومئذ بنار، ولم تحرق النار من إبراهيم سوى وَثاقِه.

وقال ابن عباس وأبو العاليةِ: لولا أن الله عز وجل قال: ﴿ وَسَلَامًا ﴾ [الأنبياء: 69] لآذى إبراهيمَ بَرْدُها.

وقوله: ﴿ وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ ﴾ [الأنبياء: 70]؛ أي: المغلوبين الأسفلين؛ لأنهم أرادوا بنبي الله كيدًا، فكادهم الله ونجَّاه من النار، فغُلبوا هنالك"[5].

وهكذا يكون نصرُ الله لأوليائه؛ فإنه سبحانه قد قضى في قضائه، أنه من عادى له وليًّا فقد آذنه بالحرب، ألم يقل سبحانه: ﴿ حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ ﴾ [يوسف: 110]، وهكذا المكر السيئ لا يَحيق إلا بأهله، إخوة يوسف لما بغَوا عليه واحتالوا له، ومكروا به، وقالوا: اطرحوه أرضًا، وجعلوه في باطن الأرض، جعله اللهُ على خزائن الأرض، وفتح له من أبواب رحمته، ومكنه في الأرض، وكاد له، حتى رجعوا إليه، وهم لا يعرفونه، يسألونه الميرةَ[6].

[1] يقول الإمام الشنقيطي - رحمه الله -: وما ذكر الله - جل وعلا - في هذه الآية الكريمة من أنه أمر النارَ بأمره الكوني القدري أن تكون بردًا وسلامًا على إبراهيم، يدل على أنه أنجاه من تلك النار؛ لأن قوله تعالى: ﴿ كُونِي بَرْدًا ﴾ [الأنبياء: 69] يدل على سلامتِه من حرِّها، وقوله: ﴿ وَسَلَامًا ﴾ [الأنبياء: 69] يدل على سلامته من شرِّ بردها الذي انقلبت الحرارة إليه، وإنجاؤه إياه منها الذي دل عليه أمره الكوني القدري هنا جاء مصرحًا به في "العنكبوت" في قوله تعالى: ﴿ فَأَنْجَاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ ﴾ [العنكبوت: 24]، وأشار إلى ذلك هنا بقوله: ﴿ وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا ﴾ [الأنبياء: 71] الآية.
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿ وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ ﴾ [الأنبياء: 70] يوضِّحُه ما قبله؛ فالكيد الذي أرادوه به: إحراقُه بالنار؛ نصرًا منهم لآلهتهم في زعمهم، وجعله تعالى إياهم الأخسرين؛ أي: الذين هم أكثر خسرانًا؛ لبطلان كيدِهم، وسلامتِه من نارهم.
وقد أشار تعالى إلى ذلك أيضًا في سورة "الصافات" في قوله: ﴿ فَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَسْفَلِينَ ﴾ [الصافات: 98]، وكونهم الأسفلين واضح؛ لعلوه عليهم، وسلامته من شرهم، وكونهم الأخسرين؛ لأنهم خسروا الدنيا والآخرة، وذلك هو الخسران المبين، وفي القصة: أن الله سلط عليهم خَلْقًا من أضعف خلقه فأهلكهم، وهو البعوض، وفيها أيضًا: أن كل الدواب تطفئ عن إبراهيم النار، إلا الوزغ، فإنه ينفخ النار عليه، وقد قدمنا الأحاديث الواردة بالأمر بقتل الأوزاغ في سورة "الأنعام"، وعن أبي العالية: لو لم يقل الله ﴿ وَسَلَامًا ﴾ [الأنبياء: 69] لكان بردها أشد عليه من حرها، ولو لم يقل: ﴿ عَلَى إِبْرَاهِيمَ ﴾ [الأنبياء: 69] لكان بردها باقيًا إلى الأبد، وعن عليٍّ وابن عباس رضي الله عنهم لو لم يقل: ﴿ وَسَلَامًا ﴾ [الأنبياء: 69] لمات إبراهيم من بردِها، وعن السدي: لم تبقَ في ذلك اليوم نار إلا طفئت، وعن كعب وقتادة: لم تحرق النار من إبراهيم إلا وَثاقه، وعن المنهال بن عمرو: قال إبراهيم: ما كنت أيامًا قط أنعم مني في الأيام التي كنت فيها في النار؛ (أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن) (4 / 237)، (دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع - بيروت - لبنان).
[2] يقول الشيخ صفي الرحمن المباركفوري - رحمه الله -: في غزوة حمراء الأسد: بات الرسول صلى الله عليه وسلم وهو يفكر في الموقف؛ فقد كان يخاف أن المشركين إن فكروا في أنهم لم يستفيدوا شيئًا من النصر والغلبة التي كسبوها في ساحة القتال، فلا بد من أن يندموا على ذلك، ويرجعوا من الطريق لغزو المدينة مرة ثانية، فصمم على أن يقوم بعملية مطاردة الجيش المكي.
قال أهل المغازي ما حاصله: إن النبي صلى الله عليه وسلم نادى في الناس، وندبهم إلى المسير إلى لقاء العدو - وذلك صباح الغد من معركة أحد؛ أي: يوم الأحد الثامن من شهر شوال سنة 3 هـ - وقال: ((لا يخرج معنا إلا من شهد القتال))، فقال له عبدالله بن أبي: أركب معك؟ قال: ((لا))، واستجاب له المسلمون على ما بهم من الجرح الشديد، والخوف المزيد، وقالوا: سمعًا وطاعة، واستأذنه جابر بن عبدالله، وقال: يا رسول الله، إني أحب ألا تشهد مشهدًا إلا كنت معك، وإنما خلَّفني أبي على بناته، فأْذَنْ لي أسير معك، فأذِن له.
وسار رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون معه، حتى بلغوا حمراء الأسد، على بُعد ثمانية أميال من المدينة، فعسكروا هناك، وهناك أقبل معبد بن أبي معبد الخزاعي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلم، ويقال: بل كان على شركه، ولكنه كان ناصحًا لرسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لِما كان بين خزاعة وبني هاشم من الحلف، فقال: يا محمد، أمَا والله لقد عز علينا ما أصابك في أصحابك، ولوددنا أن الله عافاك، فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يلحق أبا سفيان فيخذله، ولم يكن ما خافه رسولُ الله صلى الله عليه وسلم من تفكير المشركين في العودة إلى المدينة إلا حقًّا؛ فإنهم لما نزلوا بالروحاء على بُعد ستة وثلاثين ميلًا من المدينة تلاوموا فيما بينهم، وقال بعضهم لبعض: لم تصنعوا شيئًا، أصبتم شوكتهم وحَدَّهم، ثم تركتموهم وقد بقي منهم رؤوس يجمعون لكم، فارجعوا حتى نستأصل شأفتهم، ويبدو أن هذا الرأي جاء سطحيًّا ممن لم يكن يقدِّرُ قوة الفريقين ومعنوياتهم تقديرًا صحيحًا؛ ولذلك خالفهم زعيم مسؤول "صفوان بن أمية" قائلًا: يا قوم، لا تفعلوا؛ فإني أخاف أن يجمع عليكم من تخلَّف من الخروج - أي: من المسلمين في غزوة أحد - فارجعوا والدولة لكم؛ فإني لا آمن إن رجعتم أن تكون الدولةُ عليكم، إلا أن هذا الرأي رُفض أمام رأي الأغلبية الساحقة، وأجمع جيش مكة على المسير نحو المدينة، ولكن قبل أن يتحرك أبو سفيان بجيشه من مقره لحقه معبد بن أبي معبد الخزاعي، ولم يكن يعرِف أبو سفيان بإسلامه، فقال: ما وراءك يا معبد؟ فقال معبد - وقد شن عليه حرب أعصاب دعائية عنيفة -: محمد قد خرج في أصحابه يطلبكم في جمع لم أرَ مثله قط، يتحرقون عليكم تحرقًا، قد اجتمع معه من كان تخلف عنه في يومكم، وندموا على ما ضيعوا، فيهم من الحنَق عليكم شيء لم أرَ مثله قط، قال أبو سفيان: ويحك، ما تقول؟ قال: والله ما أرى أن ترتحل حتى ترى نواصي الخيل - أو - حتى يطلع أول الجيش من وراء هذه الأكمة، فقال أبو سفيان: والله لقد أجمعنا الكَرة عليهم لنستأصلهم، قال: فلا تفعل؛ فإني ناصح، وحينئذ انهارت عزائم الجيش المكي، وأخذه الفزع والرعب، فلم يرَ العافية إلا في مواصلة الانسحاب والرجوع إلى مكة، بَيْدَ أن أبا سفيان قام بحرب أعصاب دعائية ضد الجيش الإسلامي، لعله ينجح في كف هذا الجيش عن مواصلة المطاردة، وطبعًا فهو ينجح في الاجتناب عن لقائه، فقد مر به ركبٌ من عبدالقيس يريد المدينة، فقال: هل أنتم مبلغون عني محمدًا رسالة، وأوقر لكم راحلتكم هذه زبيبًا بعكاظ إذا أتيتم إلى مكة؟ قالوا: نعم، قال: فأبلغوا محمدًا أنَّا قد أجمعنا الكرة لنستأصله ونستأصل أصحابه.
فمر الركبُ برسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه وهم بحمراء الأسد، فأخبرهم بالذي قاله أبو سفيان، وقالوا: ﴿ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ ﴾- أي زاد المسلمين قولُهم ذلك - ﴿إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ * فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ ﴾ [آل عمران: 173، 174]؛ (الرحيق المختوم) (ص: 223)، (دار العصماء - دمشق).
[3] رواه البخاري (4563) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.
[4] يقول الشيخ ابن عثيمين - رحمه الله تعالى -: في قول الله تعالى: ﴿ قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ ﴾ [الأنبياء: 69]، بردًا: ضد حر، وسلامًا: ضد هلاكًا؛ لأن النار حارَّة ومحرقة ومهلكة، فأمر الله هذه النار أن تكونَ بردًا وسلامًا عليه، فكانت بردًا وسلامًا، والمفسرون بعضهم ينقُل عن بني إسرائيل في هذه القصة، إن الله لما قال: ﴿ يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ ﴾ [الأنبياء: 69] صارت جميعُ نيران الدنيا بردًا! وهذا ليس بصحيح؛ لأن الله وجه الخطابَ إلى نار معينة: ﴿ يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا ﴾ [الأنبياء: 69] وعلماء النحو يقولون: إنه إذا جاء التركيبُ على هذا الوجه، صار نكرةً مقصودة؛ أي: لا يشمل كلَّ نار، بل هو للنار التي أُلقي فيها إبراهيم فقط، وهذا هو الصحيح، وبقية نيران الدنيا بقيَتْ على ما هي عليه.
[5] (تفسير ابن كثير) (5 / 351) (دار طيبة للنشر والتوزيع).
[6] قال سبحانه: ﴿ فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ * قَالَ هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ * قَالُوا أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ * قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ * قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ﴾ [يوسف: 88 - 92].




هل تعلم هى موسوعة من المعلومات العامة و الاخبار فى جميع المجالات و يوجد اجابة على جميع الاسئلة و الالغاز

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق